ابو بكر بن طفيل
40
حي بن يقظان
الافعال كلها ، لا هذا الجسد العاطل . وان هذا الجسد بجملته انما هو كالآلة لذلك ، وبمنزلة العصا التي اتخذها هو لقتال الوحوش . فانتقلت علاقته عن الجسد إلى صاحب الجسد ومحركه ، ولم يبق له شوق الا اليه . كيف أتته فكرة دفن الجثة « 1 » وفي خلال ذلك نتن ذلك الجسد ، وقامت منه روائح كريهة ، فزادت نفرته عنه ، وود ان لا يراه . ثم إنه سنح لنظره غرابان يقتتلان ، حتى صرع أحدهما الآخر ميتا . ثم جعل الحي يبحث في الأرض ، حتى حفر حفرة ، فوارى فيها ذلك الميت بالتراب . - فقال في نفسه : « ما أحسن ما صنع هذا الغراب في مواراة جيفة صاحبه ، وان كان أساء في قتله إياه . وانا كنت أحق بالاهتداء إلى هذا الفعل بأمي » . فحفر حفرة وألقى فيها جسد أمه ، وحثا عليها التراب ، وبقي يتفكر في ذلك الشيء المصرف للجسد ولا يدري ما هو . لم يجد شبيها له في هذه الجزيرة غير أنه كان ينظر إلى اشخاص الظباء كلها فيراها على شكل أمه ، وعلى صورتها . فكان يغلب على ظنه ان كل واحد منها انما يحركه ويصرفه شيء هو مثل الشيء الذي كان يحرك أمه ويصرفها . فكان يألف الظباء ويحن إليها لمكان ذلك الشبه . وبقي على ذلك برهة من الزمان ، يتصفح أنواع الحيوان والنبات ، ويطوف بساحل تلك الجزيرة ، ويتطلب هل يرى أو يجد لنفسه شبيها حسبما يرى لكل واحد من اشخاص الحيوان والنبات اشباها كثيرة . فلا يجد شيئا من ذلك . وكان يرى البحر قد احدق بالجزيرة من كل جهة ، فيعتقد انه ليس في الوجود سوى جزيرته تلك .
--> ( 1 ) قارن بين ذلك وما جاء في القرآن سورة 5 آية 30 وما بعدها : « فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ . قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ » . ( 1 ) قارن بين ذلك وما جاء في القرآن سورة 5 آية 30 وما بعدها : « فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ . قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ » .